عالية الخفاجي السيدة التي أنقذت 30 ألف كتاب من نيران الغزو الأمريكي

عالية الخفاجي السيدة التي أنقذت 30 ألف كتاب من نيران الغزو الأمريكي

  • 184
  • 2021/10/22 01:16:57 ص
  • 0

 منتظر بخيت

وسط نيران الحرب وضجيج الطائرات وأصوات المدرعات وهي تدخل مدينة البصرة أثناء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وبينما كان المدنيون يحاولون البحث عن مكان يبقيهم أحياءً من رصاص الحرب، كانت أمينة المكتبة المركزية في المحافظة عالية الخفاجي مشغولة بطريقة للحفاظ على آلاف الكتب النادرة في المكتبة التي كان الجيش العراقي يتخذ منها ثكنة عسكرية.

واستطاعت الخفاجي وبمساعدة عدد من العاملين في المكتبة والأهالي، إنقاذ أكثر من 30 ألف كتاب، ضمنها كتب نادرة ومخطوطات ومراجع، وكتب دينية وقصص قديمة للأطفال، رغم رفض محافظ البصرة آنذاك وليد حامد توفيق طلب الخفاجي بنقل الكتب بعيدا عن نيران الحرب.

وبتوقف قلب أمينة التراث العراقي بعد صراع مع فايروس كورونا، عادت قصة الخفاجي إلى الضوء، ونفضت الغبار عن “الحكاية البطولية” لإنقاذ كتب ومخطوطات ثمينة من المكتبة قبل وصول قوات الاحتلال الأمريكي والبريطاني بلحظات.

وبالعودة إلى العام 2003، تستذكر مسؤولة شعبة المخازن والإعارة في المكتبة المركزية، باسمة عبد الرزاق، والتي شاركت بإنقاذ آلاف الكتب أيضا، الساعات التي وصفتها بـ”العصيبة”، قائلة إنه “قبل أن يندلع الحريق في المكتبة المركزية استطعنا إنقاذ الكتب النادرة والمخطوطات والمراجع التي تتحدث عن تاريخ العراق والبصرة تحديدا”.

وتضيف “كانت عالية الخفاجي هي أمينة المكتبة، وعملنا معها على إنقاذ بعض الكتب المهمة، حيث قسمت الكتب إلى بيتها وبيوتنا، فيما كان قسما آخر في مطعم حمدان، المجاور لمبنى المكتبة المركزية”.

وتستذكر عبد الرزاق بعض الموظفين القدامى الذين فارقوا الحياة وساهموا بنقل الكتب، وهم: “سيد حبيب وعيسى أبو قصي، حيث كنا كموظفات نساعدهم بنقل الكتب إلى سياج مطعم حمدان وهم يحملون الكتب، و بعد يومين حولنا الكتب في بيت عالية الخفاجي، وقسم اخذناه وقسم أخذه بعض الموظفين بسياراتهم الخاصة”.

وشكّلت قصّة الخفاجي التي وصفها ناشطون ومثقفون عراقيون بـ”البطولية” مصدر وحي وإلهام لتأليف كتابين يرويان حكايات البطولة في أوقات الشدّة، إذ أثار عمل المرأة البصرية، فضول صحفية أمريكية كانت ترافق القوات البريطانية وتشاهد ما يحدث، فنشرت مقالا عنها في صحيفة نيويورك تايمز، وهو ما شكل إلهاما لكاتبين أصدرا كتابين عنها، الأول كان قصة للأطفال بعنوان “المرأة التي أنقذت مكتبة البصرة”، وآخر حمل عنوان “مهمة عالية”، كما استعرض عمل مسرحي في السويد قصتها.

تعرّف مواقع النشر العالمية الكتاب على النحو التالي: “هذه قصة حقيقية عن كفاح أمينة مكتبة البصرة لإنقاذ مجموعة الكتب التي لا تقدر بثمن، وعن حب الأدب واحترامه في العراق كما في جميع أنحاء العالم، فالمعرفة لا تعرف حدوداً”.

وبفضل التأثير الواسع لحكاية السيدة الأمينة، تقدمت جهات خيرية وإنسانية دولية بالكثير من المنح والمبادرات التي أعادت مكتبة البصرة إلى الحياة بعد إحراقها.

ويقول مدير المكتبة المركزية الحالي مراس عبد الستار، إن “السيدة عالية محمد باقر الخفاجي، التي فارقت الحياة بسبب مضاعفات فايروس كورونا، شكلت مصدر إلهام وفخر للجميع، لا سيما النساء العاملات في المكتبة”، مضيفا أن “قصة أمينة مكتبة البصرة أصبحت تدرس في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، حيث لها الفضل الكبير بإنقاذ كتب نادرة بمساعدة عدد من الزملاء الموظفين وأهالي المنطقة”.

وكتب الكاظمي في تدوينة على “تويتر”، “نعزّي برحيل أمينة التراث العراقي السيدة البصرية العراقية الأصيلة عالية الخفاجي التي أنقذت الآلاف من الكتب والمخطوطات العراقية من النهب والضياع أثناء سنوات الحرب والفوضى”.

وأضاف: “سينهض العراق صاحب أول مكتبة في العالم بالحفاظ على تراثه وإرثه وأصالة قيمه الحضارية والإنسانية”.

ويقدر عدد الكتب التي تم إنقاذها بـ30 ألف كتاب من بينها 203 كتب نوادر ومخططوات ومراجع وكتب دينية وقصص أطفال، بحسب حديث معاونة رئيس أمناء المكتبة ثناء طارق بدر.

وتضيف بدر أن “السيدة عالية كانت شخصية قوية، وهي علمت الكادر المحافظة على الكتاب، وفي عام 2003 أرادت نقل الكتب، ولكن الحكومة المحلية في زمن النظام السابق رفضت ولم تهتم بالموضوع”.

وتابعت أن “الخفاجي وبمساعدة الكادر المكتبي من المعاونين وأمين المخزن والعمال وأصدقاء المكتب ممثل سيد شريف عباس شبر وصديق المكتبة محسن وزوج الموظفة المكتبية أبو مروة نقلوا الكتب إلى بيوتهم وبعضها إلى بيت عالية الخفاجي، والبعض الآخر إلى مطعم حمدان».

وعن طريقة نقل الكتب، تقول بدر إنهم «استخدموا ستائر المكتبة القماشية حيث كان حجمها كبيرا يصل إلى 3 امتار، حيث استخدم قماش الستائر كنقالة للكتب إلى المنازل في سبيل المحافظة عليها»، لافتة إلى أنه «بعد أيام من نقل الكتب التي استطعنا نقلها، سرق أثاث المكتبة ولم تسرق الكتب، حيث عدنا بعدها بنقل كمية أخرى من الكتب».

وتضيف أنه «بعد أسبوع من حادثة نهب أثاث المكتبة، حرق مبنى المكتبة بسبب وجود وثائق وخرائط تتحدث عن تاريخ البصرة»، مشيرة إلى أن «جميع هذه الوثائق أحرقت بالكامل».

ووصلت القصة البطولية للمرأة البصرية من خلال ما كتبت المراسلة شايلا ديوان في صحيفة نيويورك تايمز، في شهر تموز/يوليو من عام 2003 عن قصة عالية محمد الخفاجي، وصرحت بعدها في مقابلة إذاعية في شباط/فبراير 2005 بأن “القصة برزت لأنها كانت قصة بطولية من الواقع فعلا، فقد كانت تخشى من أن المكتبة التي تعتبر مقر عملها ستتعرض للقصف، ولذا كانت حريصة جدا على إنقاذ الكتب التي لا يعوّض بعضها”.

وشغلت عالية محمد باقر منصب أمينة مكتبة البصرة نحو 33 عاما، قبل أن تفارق الحياة في 13 آب/أغسطس 2021، وهي من مواليد 1952 مدينة المعقل، التابعة لمحافظة البصرة، حيث أطلق عليها “أمينة التراث العراقي”، لجهودها في الحفاظ على كنز معرفي كبير وتاريخي.

أعلى